
رجل دولة بدأ من بلدية العاصمة المقدسة، وصعد إلى قمة الإدارة المالية، دون أن يفارق عالم الأدب والكتاب والعمل الاجتماعي.
لم تكن مكة المكرمة في مطلع القرن العشرين مجرد مدينة يقصدها الحجاج والمعتمرون، بل كانت أيضًا ملتقى للأفكار والثقافات، وموطنًا لجيل من المثقفين والتجار والإداريين الذين عاصروا التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في الحجاز، ثم شاركوا في بناء مؤسسات المملكة العربية السعودية في عهدها الحديث.
ومن بين تلك الشخصيات يبرز اسم محمد سرور الصبان؛ الرجل الذي بدأت مسيرته الوظيفية من بلدية مكة، قبل أن يصبح وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني، وأول أمين عام لرابطة العالم الإسلامي، وأحد الأسماء المرتبطة ببدايات النهضة الأدبية وحركة النشر في المملكة.
إنها سيرة رجل لم تقتصر حياته على الوظيفة الحكومية، بل امتدت إلى التجارة والثقافة والعمل الخيري، في زمن كانت فيه مؤسسات الدولة الحديثة تتشكل، وكان المجتمع يبحث عن أدوات جديدة للتعليم والتنظيم والتطور.
من الحجاز إلى مكة.. بدايات رجل عصامي
وُلد محمد بن سرور الصبان عام 1316هـ، الموافق 1898م، وتذكر غالبية التراجم أن مولده كان في القنفذة، قبل انتقال أسرته إلى جدة، ثم استقرارها في مكة المكرمة.
وفي جدة تلقى مبادئ القراءة والكتابة والحساب والتجويد في كتّاب الشيخ صادق، قبل أن يكمل جانبًا من تعليمه في مدرسة الخياط بمكة.
لم تكتمل دراسته النظامية، لكنه اتجه إلى القراءة والتثقيف الذاتي. وقد توسعت اهتماماته من الأدب والشعر إلى التاريخ والفلسفة والاجتماع والاقتصاد، مستفيدًا من البيئة المكية التي كانت تستقبل العلماء والمفكرين والتجار القادمين من أرجاء العالم الإسلامي.
وكانت التجارة جزءًا من تجربته المبكرة؛ إذ عمل مع والده واكتسب معرفة بالمعاملات التجارية، وهي خبرة سترافقه لاحقًا خلال عمله في الإدارة المالية ومشروعات القطاع الخاص.
بهذا التكوين، جمع الصبان بين المعرفة التي اكتسبها بالقراءة، والخبرة التي تعلمها من الحياة العملية، قبل أن يدخل عالم الوظيفة العامة.
بلدية مكة.. الخطوة الأولى نحو مؤسسات الدولة
في عام 1336هـ، التحق محمد سرور الصبان ببلدية مكة المكرمة، وعمل في بداياته كاتبًا لليومية، ثم محاسبًا، وتدرج إلى مسؤوليات إدارية أكبر.
كانت مكة آنذاك تمر بمرحلة من التحولات السياسية والإدارية التي انعكست على مؤسساتها المحلية. ومع دخولها في الحكم السعودي عام 1343هـ، استمر الصبان في العمل البلدي، ثم انتخب عضوًا في المجلس الأهلي، وتولى أمانة سره، وعمل معاونًا لأمين العاصمة المقدسة.
ولم تكن هذه المناصب مجرد محطات في سيرته الشخصية؛ فقد منحته خبرة مباشرة بإدارة المرافق المحلية والشؤون المالية والتنظيم الإداري في مدينة كانت تشهد تغيرات متسارعة.
ومن بلدية مكة انتقل تدريجيًا إلى دائرة أوسع من المسؤولية، مع تطور أجهزة الدولة السعودية وتوسع اختصاصاتها.
من مكة إلى وزارة المالية
في عهد الملك عبدالعزيز، التحق الصبان بوزارة المالية، فتولى رئاسة قلم التحريرات عام 1352هـ، ثم تدرج في مواقعها الإدارية والاستشارية حتى أصبح من كبار مسؤوليها.
وجاءت المحطة الأبرز في مسيرته الحكومية خلال عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، حين أُسندت إليه مسؤولية وزارة المالية والاقتصاد الوطني خلفًا للشيخ عبدالله بن سليمان الحمدان.
وتوثق وزارة المالية السعودية فترة توليه المنصب من 10 شعبان 1373هـ حتى 3 شعبان 1377هـ، وهي مرحلة امتدت بين عامي 1954 و1958م تقريبًا.
وبذلك أصبح الصبان ثاني من تولى مسؤولية وزارة المالية في تاريخ المملكة.
كانت البلاد خلال تلك الفترة تواجه متطلبات بناء المؤسسات، وتوسيع الخدمات، وتنظيم الموارد والنفقات العامة، في ظل تنامي أهمية الإيرادات النفطية وتطور البنية الإدارية للدولة.
ومن موقعه الوزاري، شارك الصبان في إدارة الشؤون المالية والاقتصادية خلال هذه المرحلة، مستندًا إلى خبرته الطويلة في الإدارة الحكومية والتجارة.
لكن اهتمامه بالاقتصاد لم يبدأ عند توليه الوزارة، ولم ينتهِ بمغادرتها.
فقد ارتبط اسمه بعدد من المشروعات والشركات في مجالات النقل والطباعة والنشر والتجارة والخدمات، ومنها الشركة العربية للطبع والنشر، وشركات أخرى كانت جزءًا من بدايات النشاط الاقتصادي المنظم في المملكة.
وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم في شخصيته؛ فقد تعامل مع الاقتصاد من موقع المسؤول الحكومي، ومن موقع رجل الأعمال الذي شارك في تأسيس مشروعات تجارية وإنتاجية.
«أدب الحجاز».. حين أصبح الكتاب مشروعًا للنهضة
إذا كانت وزارة المالية تمثل إحدى أبرز محطات الصبان الرسمية، فإن عالم الثقافة يكشف عن وجه آخر لا يقل أهمية في سيرته.
ففي عام 1344هـ، الموافق 1925م، أصدر كتاب «أدب الحجاز»، الذي جمع فيه نماذج من الشعر والنثر لعدد من أدباء الحجاز الشبان.
كان الكتاب من أوائل الإصدارات الأدبية في العهد السعودي، ومثّل محاولة لتقديم جيل أدبي جديد، وإتاحة المجال أمام أصوات كانت تبحث عن حضورها في الحياة الفكرية.
ولم يقتصر اهتمام الصبان على جمع النصوص الأدبية؛ فقد حملت مقدمته رؤية نقدية للأوضاع الثقافية والتعليمية السائدة، ودعوة إلى توسيع آفاق المعرفة والأدب.
ثم أصدر عام 1345هـ، الموافق 1926م، كتاب «المعرض» الذي تناول آراء عدد من الأدباء الشبان في قضايا اللغة العربية والكتابة.
وكانت أهمية هذين العملين تتجاوز محتواهما الأدبي؛ إذ عبّرا عن بدايات حركة نشر حديثة، وعن إدراك مبكر لأهمية الكتاب في تشكيل الوعي الثقافي.
المكتبة الحجازية.. مشروع بدأ من المسفلة
في مكة المكرمة، أسس الصبان «المكتبة الحجازية»، التي ارتبطت بحركة الطباعة والنشر وتوزيع الكتب والصحف.
وتشير وثائق منشورة عن تاريخ المكتبة إلى أنها كانت قائمة في حي المسفلة عام 1344هـ، وأن إعلانًا عنها ظهر في جريدة أم القرى، موضحًا خدماتها في بيع الكتب وتوفير المطبوعات وقبول وكالات الصحف والمجلات العربية.
ولاحقًا انتقلت المكتبة إلى منطقة القشاشية.
ولم تكن المكتبة مجرد نشاط تجاري لبيع الكتب؛ فقد شاركت في طباعة ونشر مؤلفات أدبية، وفتحت صلة بين الحياة الثقافية في مكة وحركة التأليف والنشر في العالم العربي.
كما أنفق الصبان على طباعة عدد من كتب التراث، ومنها «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» و«شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» للمؤرخ تقي الدين الفاسي.
ولهذه الأعمال أهمية خاصة في تاريخ مكة؛ لأنها أسهمت في إتاحة مصادر تاريخية تتناول المدينة وأعلامها وأحداثها.
وهكذا، لم يكن الصبان يكتفي بالحديث عن المعرفة، بل شارك في توفير أدوات نشرها وحفظها.
«دار السرور».. بيت يجمع رجال الأدب والفكر
لم تقتصر صلة الصبان بالثقافة على الكتب والمطابع.
فقد عُرف منزله في مكة، الذي حمل اسم «دار السرور»، بوصفه مكانًا يلتقي فيه الأدباء والشعراء والمثقفون، ويتبادلون خلال مجالسه الآراء في شؤون الأدب والفكر والمجتمع.
وكان من معاصريه عدد من الأسماء المرتبطة ببدايات الأدب السعودي الحديث، مثل محمد حسن عواد، وأحمد إبراهيم الغزاوي، ومحمد سعيد العامودي، وغيرهم من شعراء الحجاز وكتابه.
وتكشف هذه المجالس عن دور اجتماعي مهم أداه الصبان في الحياة الثقافية المكية؛ فقد كان قريبًا من الأدباء، مشجعًا للنشر والتأليف، ومشاركًا في النقاشات الفكرية التي صاحبت التحولات الاجتماعية في تلك المرحلة.
وإلى جانب نشاطه الثقافي، ارتبط اسمه بمبادرات خيرية ومؤسسات اجتماعية، من بينها أعمال مرتبطة بالإسعاف والتكافل، ومشروعات جمعت بين المبادرة الأهلية والعمل المؤسسي.
رابطة العالم الإسلامي.. من العمل الوطني إلى الحضور الدولي
شهد عام 1381هـ، الموافق 1962م، تأسيس رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.
واختير محمد سرور الصبان ليكون أول أمين عام للرابطة، فانتقل إلى مسؤولية ذات طابع دولي، تقوم على التواصل مع المؤسسات والشخصيات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.
وكان تعيينه امتدادًا لمسيرة جمعت بين الإدارة الحكومية والعمل الاجتماعي والعلاقات الثقافية.
وبقي في منصبه حتى وفاته، لتصبح رابطة العالم الإسلامي آخر محطاته المؤسسية الكبرى.
ومن اللافت أن الصبان، الذي بدأ حياته الوظيفية من بلدية مكة، انتهى إلى قيادة مؤسسة إسلامية دولية مقرها المدينة نفسها.
فمكة كانت حاضرة في بداياته، كما ظلت حاضرة في أواخر مسيرته.
الرحيل.. والإرث الذي بقي
في الثاني من ذي الحجة عام 1391هـ، الموافق يناير 1972م، توفي محمد سرور الصبان في القاهرة.
ونقل جثمانه إلى مكة المكرمة، حيث صُلي عليه في المسجد الحرام، ودُفن في مقبرة المعلاة.
ترك وراءه إرثًا توزع بين الإدارة الحكومية والاقتصاد والعمل الثقافي والخيري.
وكان من أبرز وجوه هذا الإرث مكتبته الشخصية الواسعة التي ضمت آلاف الكتب والمجلدات والمخطوطات في موضوعات الدين واللغة والأدب والتاريخ، وانتقلت مجموعتها بعد وفاته إلى الحفظ الجامعي.
أما كتاباه «أدب الحجاز» و«المعرض»، فما زالا من المصادر التي يرجع إليها الباحثون عند دراسة بدايات الأدب السعودي الحديث.
وإذا كانت المناصب الحكومية تعكس جانبًا من حياة الصبان، فإن نشاطه الثقافي يكشف جانبًا آخر من مشروعه؛ فقد أدرك أهمية المؤسسات والكتب والمبادرات الأهلية في بناء المجتمع.
سيرة مكية في ذاكرة الوطن
لم يكن محمد سرور الصبان مولودًا في مكة وفق الرواية الأكثر تداولًا عن نشأته، لكنه عاش فيها وتعلم وعمل، ومنها انطلقت أبرز محطاته الإدارية والثقافية.
وتكمن أهمية سيرته في أنها تتيح قراءة جانب من تاريخ المملكة من خلال شخصية جمعت بين العمل البلدي، والإدارة المالية، والتجارة، والطباعة والنشر، والعمل الإسلامي المؤسسي.
إنها قصة جيل لم يفصل بين بناء الدولة وبناء المجتمع، ووجد في التعليم والثقافة والعمل الإداري أدوات متكاملة للتغيير.
وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، يبقى محمد سرور الصبان واحدًا من الأسماء التي تستحق الحضور في ذاكرة مكة الحديثة؛ لا بوصفه وزيرًا سابقًا فحسب، بل بوصفه أحد الذين ارتبطت حياتهم بتحولات المدينة والمملكة خلال مرحلة التأسيس والنمو.
ومن بلدية مكة إلى وزارة المالية، ومن المكتبة الحجازية إلى رابطة العالم الإسلامي، امتدت رحلة الصبان، تاركة صفحات تستحق القراءة في تاريخ مكة والحياة.
المصادر والمراجع
- وزارة المالية السعودية: الوزراء الذين تولوا مسؤولية الوزارة.
- مكتبة الملك سعود: إسناد أعمال وزارة المالية والاقتصاد إلى محمد سرور الصبان.
- صحيفة الجزيرة: السيرة الذاتية لمحمد بن سرور الصبان، 9 مايو 2004.
- قبلة الدنيا: المكتبة الحجازية التجارية بمكة المكرمة.
- المجلة العربية: رجل الاقتصاد والثقافة محمد سرور الصبان.
- نسخة رقمية من كتاب «أدب الحجاز» الصادر سنة 1925م.
