ما بين العمل والاستقرار…

بقلم فوزي بليله4 دقائق قراءة تقريبًا

ملخص المقال

بعد أن تناولنا في مقال «تحت الضغط…» كيف يستهلك العمل ومتطلبات الحياة أعمارنا، نناقش اليوم أهمية التخطيط المبكر للمستقبل، ودور الأسرة في تنمية مهارات الأبناء ومواهبهم، ولماذا لا تكفي الشهادة والوظيفة وحدهما لبناء حياة مستقرة.

في مقالنا السابق «تحت الضغط…» تحدثنا عن كيف يسرقنا الوقت ونحن نسعى وراء تحقيق رغبات من نحب، حتى ننسى أنفسنا وسط زحام الحياة ومشاغلها.

واليوم سنتحدث عن العمل والجد والاجتهاد لتحقيق الاستقرار، وكيف يمكننا أن نخطط لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا قبل أن يمضي بنا العمر.

كلنا نسعى وراء المال، ليس طمعًا فيه، ولكن لنحقق احتياجاتنا ورغباتنا ورغبات من نحب، ولننعم بحياة كريمة ومستقرة.

ومن هنا يظهر جليًا لماذا نتناسى أنفسنا ومن حولنا، وننشغل بالعمل والجد والاجتهاد، حتى نجد أنفسنا وقد أمضينا سنوات العمر ونحن نبحث عن ذلك الاستقرار الذي طالما حلمنا به.

في سن الشباب تكون القوة والطموح والأمل، وتبدأ قدراتنا وأولوياتنا بالتغير كلما تقدم بنا العمر. البعض يقول إن الشباب يبدأ في الأربعين، وهناك من يقول إن الشباب شباب القلب، ولكن مهما اختلفنا حول ذلك، فإننا لكي نحيا حياة مستقرة يجب أن نخطط لما بعد الأربعين قبل الوصول إليها.

ولنقل إننا نبدأ التخطيط لمستقبلنا، الذي لا يعلم غيبه إلا رب العالمين، منذ الخامسة عشرة من أعمارنا، وبصحبة والدينا نضع الأهداف ونسعى لتحقيقها، ونتعلم كيف نستغل الفرص ونواجه التحديات.

ولعل من الأخطاء التي يقع فيها معظمنا مع فلذات أكبادنا أننا نختصر مستقبلهم في عبارة نكررها عليهم: «اهتم بدراستك حتى تنجح وتتخرج وتحصل على وظيفة مرموقة».

نعم، يجب أن يهتم أبناؤنا بدراستهم، فهي أساس مهم لبناء مستقبلهم، ولكن هل تكفي الدراسة وحدها لتحقيق طموحاتهم؟

هناك من اجتهد في دراسته ونجح وتخرج، ثم وجد نفسه بلا وظيفة، أو في وظيفة لا تناسب طموحه ولا تحقق له الاستقرار الذي كان يحلم به.

ولهذا يجب ألا نربط مستقبل أبنائنا بالوظيفة وحدها، بل علينا أن نعلمهم كيف يطورون أنفسهم ويصقلون مهاراتهم ومواهبهم من خلال التعلم الذاتي، وكيف يحولون ما يتعلمونه إلى فرص حقيقية في حياتهم.

ونحن الآن في زمن الثورة المعلوماتية والتكنولوجية، التي فتحت أمام أبنائنا آفاقًا واسعة للتعلم والابتكار والإبداع، وأصبح بإمكانهم الوصول إلى المعرفة وتنمية مهاراتهم وتطوير مواهبهم بوسائل لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

وهناك بالفعل من الآباء والأمهات من أدركوا أهمية ذلك، فبدأوا بتوجيه أبنائهم منذ الصغر نحو الابتكار والإبداع، وتشجيعهم على اكتشاف مواهبهم وتنميتها.

أما اقتراحي لسن الخامسة عشرة، فهو لأنها مرحلة مناسبة للبدء في التخطيط الجاد للمستقبل، وليس المقصود أن يتحمل أبناؤنا فيها أعباء العمل ومسؤوليات الحياة، وإنما أن نعلمهم كيف يرسمون أهدافهم ويسعون إلى تحقيقها، حتى يصلوا إلى الأربعين وهم أكثر استعدادًا للاستقرار المالي والحياتي.

ومن أهم ما يجب أن نعلمه لأبنائنا استغلال الفرص، والقدرة على حل المشكلات، والاستفادة من التقنية فيما ينفعهم، بدلًا من أن تضيع معظم أوقاتهم في اللعب والتسلية دون أن يكتسبوا منها علمًا أو مهارة.

ولا يعني ذلك أن نحرمهم من متعة أعمارهم أو أوقات راحتهم، وإنما أن نعلمهم كيف يوازنون بين التعلم واللعب، وبين المسؤولية والاستمتاع بالحياة.

ويكون ذلك بالتوجيه، ورسم الأهداف معهم، ومتابعة ما يتحقق منها، وتشجيعهم عند النجاح، ومساعدتهم على تجاوز العقبات عند الإخفاق.

وهنا تأتي مسؤولية الأسرة، وهي مسؤولية مشتركة بين الأم والأب؛ فكلاهما مطالب بتخصيص وقت لأبنائه، ومساعدتهم على تنظيم يومهم، ووضع جدول يوازن بين الدراسة والتعلم والراحة، ومتابعة اهتماماتهم ومواهبهم، وإرشادهم إلى كيفية التعامل مع متطلبات الحياة.

فالأبناء لا يحتاجون منا إلى توفير المال وحده، بل يحتاجون أيضًا إلى وقتنا وخبراتنا وتوجيهنا، حتى نساعدهم على فهم هذه الحياة، وكيف يمكنهم تحقيق أهدافهم دون أن يقعوا في الدوامة نفسها التي عشناها.

ولعلنا بذلك نستطيع أن نمنح أبناءنا فرصة أفضل لتحقيق الاستقرار في وقت مبكر من حياتهم، فلا يقضون معظم أعمارهم يلهثون وراء متطلبات الحياة، ثم يكتشفون بعد فوات الأوان أنهم نسوا أنفسهم ومن يحبون.

وأخيرًا، يبقى السؤال: هل نربي أبناءنا ليحصلوا على وظيفة، أم نربيهم ليكونوا قادرين على بناء مستقبلهم وتحقيق الاستقرار في حياتهم؟

أنتظر آراءكم وتعليقاتكم على ما كتبت عبر موقع «مكة اليوم»، فلعل تجاربكم وأفكاركم تضيف إلى هذا الموضوع ما ينفعنا وينفع أبناءنا.

فوزي بليله
كاتب المقال

فوزي بليله

عضو منذ 9 أكتوبر 2026
عدد المقالات 27
زيارات مقالاته 473

تبدأ إحصائية الزيارات من تفعيل هذا الإصدار، وتُحسب زيارة تقريبية واحدة لكل متصفح ومقال خلال 24 ساعة.

شارك برأيك

يسعدنا رأيك. سيظهر التعليق بعد مراجعته واعتماده، ولن يُعرض بريدك الإلكتروني للعامة.