يعيش الإنسان منا تحت وطأة ضغوط الحياة التي تجعله يشعر بالملل والتعب، فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فهذه الحياة الدنيا حياة كفاح وتعب ومكابدة، نظل فيها نلهث وراء أحلامنا، ويمضي العمر لنجد أنفسنا فجأة قد هرمنا، ولم يعد في أجسادنا ذلك الشباب الذي كان يقوينا ويجعلنا نسارع الخطى لتحقيق المنى.
ونصل إلى أعتاب التقاعد ونحن نتساءل: هل كنا نطارد أحلامًا حقيقية أم أوهامًا حسبناها أحلامًا؟ أضعنا العمر ونحن نركض في كل اتجاه، ونسينا أو تناسينا وسط زحام الحياة أن لأبداننا علينا حقًا، وأن لأنفسنا نصيبًا من الراحة والطمأنينة؟
نعم، الحياة ومتطلباتها تضغط علينا ضغطًا غير طبيعي، فتمرضنا وتنهكنا ونحن نحاول أن نلبي تلك المتطلبات التي قد لا تكون لنا، وإنما لأحبائنا وفلذات أكبادنا. وعندما نصل إلى نهاية المشوار، نجدهم قد شغلتهم الحياة عنا، للسبب نفسه الذي شغلنا يومًا عن آبائنا!
وهكذا تدور الأيام، ونكرر مع أبنائنا ما عشناه مع آبائنا، فنمضي أعمارنا في سبيل إسعاد من نحب، ثم نكتشف أن الحياة قد أخذت منا أجمل سنوات العمر دون أن نشعر.
ولكي نعيش حياة أكثر استقرارًا ومتعة، يجب أن نغير طريقة تفكيرنا، وأن نخصص وقتًا لأنفسنا ولحياتنا الشخصية والاجتماعية، وأن نتخلص من هموم الكماليات التي أصبحت ضروريات في زمننا هذا، حتى بات الإنسان يرهق نفسه في سبيل الحصول على أشياء قد لا يحتاج إليها أصلًا.
ولكن كيف نتخلص منها ونحن قد اعتدنا عليها، وأصبحنا أسرى لرغباتنا، نسعى وراءها بلا تفكير، وننكب عليها وكأن سعادتنا لا تتحقق إلا بامتلاكها؟
إننا نحتاج إلى جهد كبير ومقاومة مستمرة لأنفسنا ورغباتنا، حتى نستطيع التحرر من تلك القيود التي صنعناها بأيدينا. وهناك أناس بالفعل استطاعوا التخلص منها، وأصبحوا يعيشون في راحة بال، بعدما أدركوا أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، ولا في تحقيق كل ما نشتهي، وإنما في القناعة والرضا والتوازن بين متطلبات الحياة وراحة النفس.
فالدنيا، وإن كانت ميدانًا للسعي والعمل وتحقيق الأحلام، ليست دارًا للركض الذي لا ينتهي خلف الرغبات والأماني والملذات، وإنما هي دار عمل صالح لدار الخلود، ولا ينبغي أن ننسى ونحن نعمر دنيانا أن نعمل لآخرتنا، وأن نمنح أنفسنا وأهلنا شيئًا من الوقت الذي تسرقه منا مشاغل الحياة.
فهل توافقونني الرأي بأننا بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع هذه الحياة، قبل أن يمضي بنا العمر، ونكتشف أننا عشنا معظم أيامنا تحت الضغط؟

